الخميس، 22 يوليو 2010

عودة إلى "كارولين"







التجارب الأولى متنوعة، غالبا ما تشارك فيها حواسنا ، كل منها على انفراد ، كالمشاهدة .. والسمع .. واللمس .. إلخ .
ثم لا تلبث بعد ذلك أن تأتي تلك التجارب المركبة ، التي يكتنف لحظاتها الرهبة الغامضة اللذيذة الآسرة .. عندما تشترك الحواس كلها في تجربة واحدة .

لا بأس من تكرار ما فعلته مع بعض الكتابات التي استحضرتها إلى سياق سيرتك هذه ؟
كل ما تحتاجه ، كما سبق وأشرت ، هوالضغط على بعض الأزرار بترتيب معين فيستجيب "الحاسوب" العجيب :





























"كاروليـــــــــــــــــــــــــــــــــن"
كونشيرتو من خمس حركات






الحـــــــــــــــــركه الأولى

أحد معالم الطريق الذي كنا نسلكه، مشياعلى الأقدام من بيوتنا إلى المدرسة وبالعكس، كان ذلك البيت الأنيق ، المحاط بحديقة مليئة بأنواع مختلفة من الزهور . ولم تكن الزهور وحدها هي ما يتميز به البيت .
كانت هناك راية زرقاء ترفرف من فوقه ، عليها شعار الأمم المتحده . وفي بعض أيام الأسبوع كنا نرى سيارة "جيب" تقف عند باب البيت ، فنعرف أن " الميجور ريتشارد لوريون" قدعاد من إحدى جولاته الكثيرة ، التي يتطلبها عمله ضمن الفريق الكندي لمراقبي الهدنه الدوليين .
كان"الميجور لوريون" رجلا وسيما طويل القامة ، يشبه إلى حد كبير ممثل السينما الشهير "جريجوري بيك". لا تفارق الإبتسامة وجهه . ولا يتردد عن المبادرة بإلقاء التحية ، إذا صادفناه ، داخلا أو خارجا ، أثناء مرورنا من أمام البيت .
حديثنا في ذلك اليوم ، "حسين" وأنا ، كان يدور حول سفر صديقنا "حسن" إلى أمريكا للدراسة هناك في نهاية هذا العام الدراسي ، أي بعد حصولنا على شهادة "الثقافة العامة". "حسين" يؤكد أنها "فشره" من فشرات "حسن". وأنا أحاول أن أؤكد له أنني سمعت والد "حسن" بأم أذني ، كما رأيته بأم عيني وهو يتحدث عن ذلك بجدية مع والدته . وبالتالي عدت للدفاع عن "حسن"، محاولا نفي صفة "الفشر" التي يتهمه بها "حسين"، الذي عاد ليتهمني بالتحيز لـِ"حسن" والدفاع عنه دائما لمجرد أنه إبن بلدي ، القدس .
لا أدري بالضبط سبب الغيره التي يشعر بها "حسين" تجاه "حسن" المسكين ، علما بأنه متقد الذكاء . ويظهر ذلك بوضوح في تفوقه على طلاب شهادة "الثقافه" قاطبة. هذا مع علمي ويقيني بأن ساعات مذاكرته، في أقصى حالات الإستنفار للإمتحانات ، لا تتجاوزالساعتين في اليوم . وباقي وقته يقضيه في المطالعة والقراءة . وهذا مما يجعله على درجة كبيرة من الثقافة وسعة الإطلاع . ولا ينافسه "حسن" في شيء إلا في مادة اللغة الإنجليزية .
حاولت مراراً أن أبين لـِ "حسين" قناعتي بأن المسألة لاعلاقة لها بتفاوت الذكاء . كما أنه لا وجه للمقارنة في هذا المضمار بينه وبين "حسن" الذي تربى منذ طفولته المبكرة في مدرسة الـ "تيراسانتا" في القدس . وشتان بين مستوى تدريس اللغات فيها ، وبينه في مدارس الحكومة في قرية حسين ، "بيت إكسا"، إحدى قرى القدس .
إلا أن رد "حسين" كان دائما بعناد :
- ولو !

كان عناد "حسين" يخرجه عن طوره في بعض الأحيان ، حتى يكاد أن يمحو كل صفاته الحميدة النادره . ونتيجة لذلك لا يتورع عن ارتكاب مواقف تتجاوز الحماقة والسخف لتصل إلى الوقاحه. ولا أنكر أنني ، في بعض الأحيان أيضا ، كنت أجد نفسي حائرا بين شخصيتين مختلفتين متناقضتين . كما أنني لا أنكر أنني كنت أجد لذة في استفزاز "حسين" الآخر، الذي يحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه ، وتبرزعروق رقبته ، إذا ما فعلت أنا ذلك .
ثم لا يلبث أن يتواضع ويعترف ، مثلا، بأن "حسن"، بحكم انتمائه إلى مدرسة الـ"تيراسانتا"، ربما "يتحدث" الإنجليزية بطلاقة أكثر منه. أما إتقان اللغة فهذا شيء آخر .
كنا قد قطعنا ثلاثة أرباع الطريق ، و وصلنا إلى بداية منطقة "الرمال" التي نسكن فيها ، حيث نعرج ، بعد منتزه البلدية، في طريق رملي مختصر يؤدي في نهايته إلى ذلك البيت المميز برايته الزرقاء، وحديقته الغــنّاء .
الحديقة إلى يميني . و"حسين" إلى يساري . وأنا أرقب انفعالاته نتيجة استفزازي له . وفجأة ، تنفرج أساريره ، وتتثاقل خطاه ، وتكاد عيناه أن تخرجان من محجريهما ، وهو يمصمص شفتيه الغليظتين ، وتتسع ابتسامته عن سنه الأمامية المفقوده .
أخذت أتابع الخيط اللامرئي الذي يشد بصره حتى وصلت إلى طرفه الآخر .. ويا لهول ما رأيت !
لو كان "الميجور لوريون" هو "جريجوري بيك" .. فمن تكون هذه الهيفاء ؟
إنها بدون شك "جينيفر جونز" !
وتمسمر كلانا عند مدخل الحديقة .
كانت منهمكة في الحديث ، بالإنجليزية ، مع البستاني العجوزالذي كان ينظرإليها بوجه كالقناع ، لا تتغير ملامحه. ثم لا يلبث أن ينظر حوله مستجيرا بأزهار الحديقة التي تشهد بأنه قد قام بواجبه خير قيام ، وأجاد عمله بتفوق وامتياز واضحين .
أخذت أستحث "حسين" على مواصلة السير، بعد أن طال وقوفنا ، خشية من أن ترانا فيزعجها فضولنا .
لكن هيهات أن يتزحزح . تركته ومضيت . وبعد عدة خطوات ، نظرت خلفي فوجدته ما زال واقفا يراقب الغريبة الجميله .
حاولت أن أستعجله، فأشار بيده أن أنتظر. لم يطل وقوفه أكثر من ذلك . تحرك داخلا إلى الحديقة .
في مثل هذه الحالات ، عندما يصادف أن ينشغل عني صديقي أو رفيق طريقي، لم أكن أتردد في تركه ومواصلة السير، إلى أن يلحق بي ذلك الصديق معتذرا . لكنني في هذه الحالة الفريدة ، المختلفة تماما، وجدتني لا أرى أن هناك ما يضيرني ، لوأنني راقبت عن كثب ذلك الحدث الفريد، المختلف تماما .

"حسين" يتبادل الحديث مع "جينيفر جونز"، بعد أن عرف منه البستاني ما كانت تريده سيدته فانصرف .
"حسين" يضحك .
"جينيفر جونز" تضحك .
"حسين" يواصل حديثه بطلاقه تثير دهشتي ، بدون أن أسمع ما يقول .
تمد له يدها. يتصافحان . تدعوه للدخول بإلحاح . يتذكرني فجأة . تنظر ناحيتي . تطلب منه أن يناديني .
أتعثر في مشيتي وأنا أتجه نحوهما .
تمد يدها لي بينما هي تحاول عبثا أن تلفظ إسمي . ثم تقدم نفسها :
- كارولين .
تضيع مني الكلمات الإنجليزية التي كنت أحسب أنني أعرفها جيدا . أتلعثم . يحمرمني الوجه .
تضع يدها الأخرى على كتفي :
- صديقك خجول جداًّ .

تحتوينا الصالة الأنيقة البسيطه. "حسين" يكمل حديثه :
- نادينا ، حتى الآن، ليس به أعضاء من كندا . فهل يمكن أن تساعدينا على توسيع نطاق نشاطنا ؟
تأوهت برقة وعذوبه :
- أعرف في بلدي من أظن أنه سيسعدهم أن ينضموا إلى ناديكم .

سرى في جسدي ما يشبه التيارالكهربائي ، عندما لمست يدها خدي وهي تسأل :
- ما رأيك في صديقة جميلة من "كندا" ؟
ابتسمت ، وتلعثمت مرة أخرى وأنا أتلفظ بما تيسرمن كلمات الشكر، باللغة الإنجليزية التي ندر ما نطقت بها خارج نطاق المدرسه .
حدثت نفسي ، وأنا أتحسس وجهي الملتهب . صحيح ، كما يدعي كل من يعرفونني ، أنني أبدو أصغرمن عمري الحقيقي بأكثر من تلك السنة التي أضيفت إلى عمري في شهادة ميلادي ، لكي " أدخل المدرسة" وأنا في السادسة بدلا من السابعة من عمري .
لكن، أن يصل الأمرإلى أن تربت هذه الغريبة ، حتى لو كانت على هذا القدر من الجمال ، على خدي كما لو كنت طفلا غريرا ، فهذا ما لا أتقبله .
آه لو تسعفني الكلمات الملائمة للرد عليها !
طلبت منا الجلوس ريثما تحضر لنا الشاي . وغابت بخفة ورشاقة "جينيفر جونز" .
وأنظر أنا إلى "حسين" كأنما لأتساءل عن مدى علاقة ما يحدث بالحقيقه أو الواقع . فيوضح لي بثقة :
- زوجة "الميجور" ، تقول أنها هنا منذ أسبوع . وسوف تقيم في غزه بضعة أيام أخرى .
- كيف لم نشعر بوجودها ، بالرغم من أننا نمر يوميا من أمام البيت ؟!
- يبدو أن شعورها بالوحده ، في غربتها هذه ، قد جعلتها تخرج لتتجاذب أطراف الحديث مع البستاني .
ثم أضاف بنزق :
- أنا شخصيا في خدمتها .

قال جملته الأخيرة ، وهو يحرك يده في جيبه في كثير من الإبتذال (!)
نهرته، خوفا من أن تعود مضيفتنا فجأة وتلاحظ حركاته فتطردنا شر طرده .
لكننا سمعنا صوتها قبل ظهورها وهي تحمل صينية عليها بعض أنواع "البسكويت" وأكواب الشاي الفارغه :
- شقيقتي الصغرى في الخامسة عشر، في مثل عمريكما تقريبا . سوف أكتب لها ، فربما تكون المراسلة من اهتماماتها ، هي أو بعض زميلاتها في المدرسه .

حدثتنا أحاديث قصيرة متقطعة، أثناء تحركاتها المتكررة لإحضار الشاي ومن ثم صبه لنا ، وسؤالنا عن عدد قطع السكر، وذهابها لإحضار أجندتها لكتابة إسم كل منا وعنوانه ، وتكرار دعوتها لتجربة هذا النوع أو ذاك من البسكويت ، علما بأن "حسين" لم يكن بحاجة لتكرار الدعوه .
ثم سألتنا عن هواياتنا الأخرى . فكان "حسين" يتولى الإجابة عن كل الأسئلة ، مما جعلها تخصني ببعض اهتمامها لكي تحملني على التخلص من خجلي ومشاركتهما الحديث .
وعندماعرفت أن كلانا مهتم بالقراءة والإطلاع ومشاهدة أفلام السينما ، أبدت استعدادها لإعطائنا بعض المجلات التي تصل "ريك" تباعاً لكي نزيد من حصيلتنا، باللغة الإنجليزية.
ثم ، قامت بإعلان انتهاء الزيارة وهي تبتسم معتذرة بلطف . وحددت لنا موعدا لزيارتها بعد أسبوع ، أو أسبوعين ، ريثما يصلها ردٌّ من شقيقتها الصغرى .
بذل صديقي كل ما أوتي من حصافة وشطارة و"تناحة" لإطالة مدة الزيارة . إلا أن مضيفتنا الجميلة الرقيقة استطاعت بكل تهذيب أن تستدرجنا إلى باب الحديقه .
لوحت لنا بيدها مودعة ، ثم عادت لا تلوي على شيء .
وجدنا أنفسنا على قارعة الطريق ، نتحسس أنفسنا ، كما لو كنا لتوِّنا في أرض الأحلام ، وأعادنا الجتّي خادم المصباح السحري إلى أرض الواقع ، بعد أن أثبت أنه قادرعلى تحقيق المعجزات .
إذن ، علينا أن ننتظر حتى يوم الخميس القادم .

* * *
الحــــــــــــــــــركة الثانيه


في الأيام الثلاثة الأولى لم نكف عن استرجاع تفاصيل تلك "المغامرة" الفريده . وبعد ذلك أصبحنا لا نكف عن التنبؤ لما سوف يكون بعد أن يأتي رد شقيقتها بالرفض أو القبول . هل ستستمرعلاقتنا بها ؟ وما نوع هذه العلاقه ؟
صديقي ، الذي أعترف بأنني لا أستطيع أحيانا أن أميز بين جده وهزله ، يصرعلى أن "جينيفر جونز" قد وقعت في غرامه (!)
هيهات أن أتمكن من إقناعه بأنه لا مجال للمنافسة بينه وبين "جريجوري بيك" . وأن كلانا ، بالنسبة لها ، مجرد معرفه عابره لـِ "طفلين" مراهقين محبين للإستطلاع ، متطلعين للمعرفه . لا أكثر ولا أقل .
- ألم تر كيف كانت تربت على خدي وكأنني إبن أختها الصغرى ؟!

يضحك "حسين" ضحكته الوقحه ، ويأتي دوره للتلذذ باستفزازي .
- أنت لم تقرأ رواية الكاتب الفرنسي المعروف ، "جان لوي مارسو" ، عن تلك المرأة التي كانت تعشق الإيقاع بالمراهقين والإستمتاع بتجربتهم الأولى . لقد كانت أيضا في منتصف العقد الثالث من عمرها .

ويعترف لي ، في يوم آخر، أنه لا وجود لكاتب فرنسي إسمه "جان لوي مارسو" .
ثم يعود لــِ "يعترف" لي ، مرة أخرى ، بأنه في اليوم الرابع لتلك الزيارة ، يوم الأحد ، وهواليوم الذي اختفى فيه بالفعل ، ولم يحضر إلى المدرسه ، فاجأها بزيارته لوحده ، فرحبت به . وقضى عندها أكثر من ساعتين . ولا ينسى خلال حديثه أن يخطيء ثم يتدارك خطأه ، موحياً بذلك بأن هناك سرا يخفيه ، وأن "ما خفي كان أعظم" . ولكي يثبت صحة روايته ، يفاجئني بمجموعة من المجلات الأجنبية التي أعطته إياها ، ووعدته بمزيد منها إن هو قام بزيارتها مرات أخرى بمفرده .
وأتأرجح أنا ، للحظات ، بين تصديق روايته ، وبين الصورة المثالية التي رسمتها لها في مخيلتي ، والعلاقة البريئة ، والصداقة الجميلة التي يمكن أن تربط بيننا . وأؤكد ذلك لنفسي بقولي مبررا إهتمامها بنا :
وما حاجتها لنا، غيرذلك ، وهي زوجة "جريجوري بيك" ؟!
وأعترف هنا أنه خطرلي القيام بزيارة لها ، بمفردي ، لا لشيء سوى إكتشاف مدى صدقه .
لكنني لم أجد في نفسي الشجاعة لتنفيذ ذلك الخاطر . واكتفيت بالتمسك بالصورة المثالية التي رسمتها لها .
في اليوم الذي يوافق مرور أسبوع على زيارتنا للسيدة الجميله ، وهو موعد الزيارة الموعوده ، ظهر "حسين" وقفاه ينم عن آخر زياراته ، المتباعدة ، للحلاق . كما اختفت الشعيرات التي كان يتركها متناثرة في أنحاء مختلفة من ذقنه . ولم ينس أن يحذرني مما من شأنه أن ينم عن معرفتي بأمر زيارته للسيده . فهي قد ألحت عليه بكتمان أمرها .

إستقبلتنا بترحاب ما بعده ترحاب .
قالت أنها كانت في انتظارنا ، فهي تحمل لنا أنباء سارة من شقيقتها التي صادف أن اتصلت بها تلفونيا في اليوم التالي لزيارتنا الأولى لها . فلقد أبدت إهتمامها بالإنضمام إلى نادينا . كما أكدت أنها سوف تجد من بين صديقاتها وزميلاتها من تستهويهن المراسله .
نظرت إلى"حسين" مبتسما . لم يخنه ذكاؤه ، فهم معنى ابتسامتي . ولكنه آثر تجاهل ملاحظتي . واغتنمت أول لحظة تغيب فيها السيدة لكي أعلق :
- هل نسيت السيدة أن تزف إليك بالخبرالسار يوم زيارتك لها ، ويوم أعطتك المجلات الأجنبيه ؟
حاول "حسين" ، أيضاً ، أن يتجاهل تعليقي .
عادت السيدة ومعها سلة من القش مليئة بأنواع الفواكه التي لم نعتد على رؤية معظمها في غزه . وعقبت :
- التفاح والكرز من بيروت . أنتما تعرفان أن "ريك" كثيرالتنقل ، بحكم عمله ، بين غزه وقبرص وبيروت . ولقد رافقته إلى بيروت في زيارته القصيرة الأخيره ، حيث تعود أن يقضي الـ "ويك إند" هناك .
وكأنما انحلت العقدة من لساني في تلك اللحظة بالذات . فوجدتني أعلق بطلاقة أدهشتها :
- أوه ! إذن فقد قضيت الـ "ويك إند" في بيروت . إنها مدينة جميله، كما يقولون . تصوري أن صديقي "حسين" قد جاء لزيارتك بمفرده يوم الأحد ..

ونظرت إلى "حسين" متشفياً ، تاركاً له الفرصة لكي يتدبر أمر الـورطة التي أوقع نفسه فيها . نظرت إليه السيدة :
- هل فعلت ذلك حقا ؟ ولكنني أتذكر أننا اتفقنا أن نلتقي اليوم ، أو الخميس القادم .

وأسقط في يده كما يقولون .
وأخذت مضيفتنا تحاول أن تنقلنا من موضوع لآخر، وتطرح مختلف التساؤلات ، وهي بذلك تستحثنا وتشجعنا على الحديث باللغة الإنجليزيه. ولا تتردد في تصحيح أخطاءنا اللغوية والإستطراد في شرح الفروق بين معاني الكلمة الواحدة ، حسب موقعها . قالت أنها تعمل بمهنة التعليم ، وتعشق مهنتها جدا ، ولكنها أيضا تحب السفر ، ولذلك فهي لا تترك الفرصة تفوتها عندما يتنقل "ريك" ، بحكم عمله ، فتأتي لتقضي معه بعض الوقت هنا أو هناك .
ثم نهضت معلنة نهاية الزيارة . ولكنها استمهلتنا للحظة ريثما تحضر لنا ما وعدتنا به في المرة السابقه . فإذا بها تعود ومعها كومة من المجلات الإنجليزية ، مؤكدة أننا سوف نحصل على مثلها في يوم الخميس القادم (!)

لم أقصد مضايقة "حسين" عندما اقترحت إشراك صديقنا "حسن" في زيارتنا المقبلة للسيدة الجميله . قلت ربما تستطيع أن تقدم له نصيحة مفيدة بشأن دراسته التي يخطط لها في جامعات أمريكا . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فهو أيضا نموذج مشرف من تلاميذ مدرستنا ، بالإضافة إلى أنه عضو في نادينا .
لم يجادلني "حسين" كثيراً في هذا الشأن ، كما توقعت .
ويبدو أنه آثر السكوت آملاً وطامعا في سكوتي بعد افتضاح أمر "الزياره" المزعومه ، بما انطوت عليه من إيحاءات .
أضفت :
- أنت قد اعترفت أخيرا بأنه يتكلم الإنجليزية بطلاقة أكثر منك . وأنا أعترف لك بأنك تتفوق عليه في مضمار آخر وهو الـفـشـ ..
قاطعني :
- طيب .. طيب .. خلص !

* * *

لشدما كانت دهشتي ، وصدمة "حسين" ، حينما انطلق "حسن" فجأة في الحديث باللغة الفرنسية مع السيده "لوريون" ، التي تبين أنها من مدينة "كيوبيك" ، عاصمة المقاطعة التي تحمل نفس الإسم ، والتي ما زالت ترتبط بفرنسا الأم وتميل إلى الإنفصال عن كندا .

وماهي إلا أيام أخرى حتى وصلتني رسالة من الشقيقة الصغرى ، "لوسيل" . كانت الرسالة مشفوعة بصورة تؤكد علاقة العائلة الوثيقة بـ .. "جينيفر جونز" وباقي جميلات هوليوود .
أثارت تلك الرسالة حفيظة "حسين" الذي كان يعتقد أنه صاحب الحق في "لوسيل" ، الجميلة ، لأنه كان صاحب الفضل في تلك العلاقة أصلاً .
ولكن سرعان ماهدأ باله عندما وصلته رسالة من "سابينا" ، التي تفوق الجميع حسنا و جمالا ، والتي قال فيها زميلنا الشويعر "عيسى فرح" قصيدته العصماء ، ومطلعها :

جمــالك هز أعطاف الديـار وفتنتك البريئة قد سبتـني
وعيناك الجميلة يا "سابيـنا" بسهم الحب رميـاً قد رمتـني
















الحـــــــــــــــــركة الثالثه



تكررت زياراتنا ، نحن الثلاثة ، للسيدة الجميله . وكأنما أصبحنا جزءاً من حياتها . تستقبلنا بترحاب وحب شديدين . ولا تمل أبدا من تصحيح أخطائنا اللغوية ، أو طريقة نطقنا لبعض الكلمات ، أو الإشادة بالجمل الصحيحة أو إجادة النطق بها . ولا تنسى أن تسألنا عن رسائل "لوسيل" و "سابينا" و "هيلي" .

صادفنا الـميجور " لوريون" أكثر من مرة في بيته . كان يرحب بنا بأن يربت على أكتافنا ، ثم يعتذر عن عدم مشاركتنا لانشغاله بكتابة بعض التقارير . فتنفرد هي بالحديث إلينا في جو حميم . وتغدق علينا من خيرات "بيروت" التي دأبت على قضاء الـ "ويك إند" فيها .
وأما عن المجلات الإنجليزية أو الأميركية فقد كادت أن تصبح مصدرا لدخل إضافي لنا ، إذ كنا نتقاسم ثمنها بعد بيعها بالكيلو ، وذلك بعد قراءتها أو تصفحها ، والإحتفاظ بما قد يلزم من صفحاتها الغنية بالصور الجميلة (!)

من الأشياء التي استرعت انتباهي ، دون "حسين" ، أو "حسن" ، الذي سرعان ما زهد في مشاركتنا تلك الزيارات ، تلك الموسيقى التي كانت السيدة الجميلة تحرص على أن تغلف بها أجواء البيت . كانت تلك الموسيقى تشدني . لاحظت هي شرودي في بعض الأحيان . وأدركت أن الموسيقى كانت تستهوينيي . فابتدأت تمدني ببعض الملاحظات والمعلومات عن إسم هذه المقطوعة أو تلك ، أوعن المؤلف وجنسيته . حفظت إسم "رافيل" الفرنسي ، وأصبحت أميز مقطوعتة " بوليرو" ذات النغم "الشرقي" القريب إلى القلب ... ينافسه في ذلك "خاتشاتوريان" الروسي وزميله الذي أثار اسمه دهشتي .. "رحمانينوف" .
وعرفت المزيد عن العبقري النمساوي "موتسارت" الذي بدأ العزف على "البيانو" وهو في الخامسة ، والتأليف الموسيقي في السابعة من عمره . وازدادت معرفتي بالموسيقار الألماني "بيتهوفن" الذي واصل التأليف بالرغم من إصابته بالصمم ، وهوالإسم الوحيد الذي كنا نسمعه مقترنا بالموسقى الأجنبية ، التي درج متثقفونا على تسميتها ، بغير تمييز، بالـ "سيمفونيات" .
وسمعت لأول مرة موسيقى الـ "جاز" الزنجية ، وعرفت شيئا عن "بول روبسون" المقهور وأغانيه الحزينه .
وزاد إهتمامي بملاحظاتها خصوصا بعد أن أخذت تقرأ وتفسر ما هو مكتوب على ظهرغلاف هذه الأسطوانة أو تلك .

دأبت ، كما ذكرت ، منذ البداية على أن تخصني باهتمامها وتوجيه الحديث لي ، محاولة منها لمساعدتي على التغلب على خجلي وتشجيعا لي على المشاركة في الحديث . وتزايد ذلك الإهتمام بعد أن أثمرت محاولاتها تلك ، وأصبحت بالفعل أكثر جرأة وتجاوبا ، وأقل خوفا من الوقوع في الأخطاء اللغويه .
كانت تقول دائما ما معناه أننا لا بد أن نخطيء لكي نتعلم ! وهو ما يتناقض مع ما درج عليه آباؤنا في البيت ، وأساتذتنا في المدرسة ، كمنهج للتربيه. وكثيرا ما كانت تردد مقولة حفظتها باللغة الإنجليزية تقول :
" الخطأ الأكبر .. هو أن تخاف من الوقوع في الخطأ ."

كان اهتمامها بي يأخذ أشكالا مختلفة ، منها الجلوس إلى جانبي ، والإقتراب مني بشكل لم أتعوده من أنثى غريبة عني ، إمعانا منها في حملي على الإنتباه لما تقول . وكثيرا ما كان سلوكها هذا يسبب لي الإرتباك والحرج .
في أحد المرات ، فاجأتني بأنها قد حصلت على أسطوانة معينة كانت قد طلبت من "ريك" أن يحضرها من بيروت ، كما قالت ، خصيصا من أجلي ، بعد أن لاحظت مدى إهتمامي بنوع الموسيقى التي تعشقها .
أحاطت كتفي بذراعها التي تمسك بغلاف الأسطوانة الجديده ، وأخذت تشير بإصبع يدها الأخرى إلى بعض السطور وتحثني على قراءتها .
Concierto de Aranjuez
Joaquin Rodrigo
مازلت أذكر ذلك اليوم ، وتلك اللحظات .
كانت ، كما يبدو، تتوقع أن أخطيء في لفظ إسم المقطوعة ومؤلفها الإسباني . وأخذت ، وهي تقرب رأسها من رأسي ، تعيد القراءة وتطلب مني تكرارها . لكنني في كل مرة كنت أصر على ما كانت تعتبره خطأ ، وأقوم بلفظ الإسم بطريقة أخرى :
"كونشيرتو دو أرانخيـــــــــــز"
"خواكــــــــين رودريــــــــــجو"

شتان بين ما كانت تقوله وبين ما كنت أصر على تكراره .
وذلك مما كان يجعلها تستغرق في الضحك ، ثم تعيد الكرّة ، دون أن تترك لي فرصة لتفسير سبب إصراري على هذا "الخطأ" . إلى أن تمكنت من أن أحكي لها قصة كتاب "علم نفسك اللغة الإسبانية " ودور جارتي "هنيه" النيكاراجويّة وأمها "روزاليا" في تعليمي اللفظ الصحيح للأحرف والكلمات الإسبانية .
وهنا .. أخذت تكرر اعتذارها طالبة مني أن ألقنها ما كانت تعتبره خطأ . وانقلب الموقف إلى مشهد فيه من المفارقة أو "الكوميديا" ما جعلها تستلقي على ظهرها مستغرقة في الضحك .
لقد تبادلنا الأدوار .
الحقيقة أنني لم أنتبه لما بدر من "حسين" من ردود فعل أو تعليقات . لكن الذي لاحظته هو الإستياء الذي بدا عليها فجأة ، والذي كان نتيجته أنها سارعت في إنهاء الزيارة بجملة وجهتها له فألجمته . ثم قالت بحزم قاطع ما معناه أنها لن تكون ، في الأيام القادمة ، قادرة على استقباله . وبما أن صيغة المخاطب باللغة الإنجليزية لا تفرق بين المخاطب المفرد أو المثنى أو الجمع ، كما هو الحال في لغتنا العربيه ، فقد اختلط علي الأمر وغرقت في بحر من الدهشة والحيرة ، غير مدرك لما كان أو ما سيكون .
هل يمكن أن يكون هذا الكلام موجه لكلينا ؟!
وما سر هذا الإنقلاب المفاجيء ؟ أم هو مجرد إحساسها بوعكة مفاجئة جعلتها تؤثر الوحده .
خيم علينا صمت كئيب ونحن نتجه إلى مدخل البيت . كان "حسين" يسبقني منكس الرأس ، على غير عادته .
نظرت إليها نظرة أخيرة وكأني أستحلفها أن تنقذني من حيرتي .
مدت يدها وأمسكت ذراعي لتستبقيني ريثما ابتعد "حسين" قليلا . همست لي :
- يمكنك أن تزورني في أي وقت تريده .
ثم أضافت بسرعة :
- بعد ظهر الغد .

كانت لهجتها تحمل صيغة الأمر، كما تحتمل صيغة الإعتذار . أما عيناها فقد خيل إلي أنهما تحملان قدرا من الرجاء .
لم يجبني "حسين" على أسئلتي المتكرره . لعله آثر السكوت لشعوره بذنب ما . مشينا في صمت حتى وصلنا إلى مفترق طريقينا . قال بدون أن يرفع رأسه :
- ولا يهمك !
ثم مضى .
في مثل هذه الحالات ، التي تلفُّني فيها الحيرة ، أسارع للتخلص مما قد يربطني بالآخرين ، حيث أنفرد بنفسي لأسترجع ما فات ، وأحاول أن أجد تفسيرا لما أنا فيه ، أو مخرجا مما أنا مقبل عليه . وكثيرا ما أجدني قد وصلت إلى ما يبدد حيرتي . إلا أنني ، في هذه المرة ، بقيت غارقا فيما يشبه القلق المشوب بالحزن .
ولأول مرة أفكر في مدى صحة معنى تلك الحكمة التي تقول "إن غداً لناظره قريب ."
الوقت يمر ببطء لا عهد لي به . وليس هناك ما يشير إلى اقتراب الغد إلا بمقدار ما يتحرك عقرب الدقائق في ساعة يدي ، التي لم أكف عن إعادة ملئها إحساسا مني بتوقفها عن الدوران .

لجأت إلى واجباتي المدرسية التي عادة ما تلتهم الوقت التهاما . لكن صورة "كارولين" ، في اللحظة التي ماتت فيها الضحكة على شفتيها ، كانت تنطبع أمامي على كل الصفحات ، فيوغل الوقت في عناده وفي توقفه . ثم يتسلل إلى أذني صوت همساتها لي ، فأفاجأ بأن الزمن يعود إلى الوراء . ويعود شريط الأحداث الذي يؤكد لي أن صداقتنا مع السيدة الجميلة قد باتت مهددة ، أو ربما في حكم المنتهيه .
وأسائل نفسي : ما لي أنا ؟ فقد بيَّنَتْ لي أنها لا تحمل لي بغضا أو جفاء .
ولكنه صديقي . وعلاقتي به أقوى وأهم منها ألف مره .
أم أنني أمام أحد الخيارين ؟
هو .. أم هي ؟
طبعاً هو . ولتذهب هي إلى الجحيم .
ما هذا الجحود ؟
ساءلت نفسي باستنكار. وأخذت أشحذ ذاكرتي لأسترجع المرة الأخيرة التي ربتت فيها أمي على شعري ، كما كانت تفعل "كارولين" . أوآخر مرة لفّت إحدى أخواتي ، اللواتي يكبرنني ، ذراعها حول كتفي فأشعر بمثل ذلك القدر من الحنان الذي كنت أشعر به عندما كانت "كارولين" تفعل ذلك .
لا أشك أبدا في مقدار عواطف أمي نحوي أوعناية أخواتي بي .. ولكن !
كل منهن مشغول في تدبيرأمورالبيت ومسئولياته المختلفه . لا يُقمن ، بحكم العادات والتقاليد ، وزنا لإظهارعواطفهن .. وكأنها عورات .
هل تحلّت أنثانا بصفة "البخل" التي كان أجدادنا العرب قديما يستملحونها في المرأة ، بحجة أن المرأة الكريمة قد تجود بعواطفها لمن حولها .. بدون حساب ؟!
ما قيمة العواطف إن لم نستطع التعبيرعنها ؟

أحبت فينا "كارولين" شيئا ما ، فلم تتردد في التعبيرعن هذا الحب .
قدمتنا لزوجها ، كأصدقاء لها ، من غير ما حرج ولا مواربه .
في لحظة ما اتخذت من "حسين" موقفا ، فلم تتردد من التعبير عن نفسها بصراحه.
لم تأخذني بجريرة صديقي ، فهمست لي بما يوحي بأنها تستثنيني من غضبها .
غدا سوف تأخذ الحياة بالنسبة لها مجراها الطبيعي ، بدون أحقاد ولا هم يحزنون . ربما تفصح لي عما يزعجها ، وربما تكون قد نسيت أو تناست ما كان .
ما أجمل أن يتحلى الإنسان بمثل هذه الشمائل !







الحـــــــــــــــــركة الرابعه






وبالفعل ، استقبلتني وكأن شيئا لم يكن . جاءت بسلة الفاكهة ، وقالت أن"ريك" لم يتمكن من العودة وربما يضطر لقضاء الـ "ويك إند" في "قبرص". وأحضرت مجموعة المجلات التي فاتنا أن نأخذها بالأمس كماعودتنا. ثم تذكرت الأسطوانة التي ما زال غلافها ملقى على المنضده ، فنهضت لتشغيل الـ "بيك أب"، لينبعث منه صوت الـ "جيتار"، الآلة الرئيسية في"كونشيرتو أرانخيز"، وعادت تستكمل قراءة البيانات المكتوبة على ظهر الغلاف .
وعندما انتهت من القراءة ، نهضت وأعادت إبرة الجهاز إلى بداية الأسطوانة معلنة أنها سوف تتركني أستمتع بها كاملة . وجلست أمامي تقرأ في كتاب .
لم أكن قبل معرفتي بها ، قد استمعت إلى ذلك النوع من الموسيقى إلا لماما .
ولم أستطع أن أحدد السبب ، أو أن أعرف سر إعجابي وانجذابي لتلك الموسيقى .
في ذلك اليوم بالذات ، كان لها مذاق آخر.. مميز.. له مفعول السحر.
غمرني دفء من نوع لم أعرفه من قبل ، بالرغم من برودة الجو في أواخر شتاء تلك السنة .
استرقت نظرة ، فوجدتها مستغرقة في القراءه . كانت هذه فرصتي لإطالة النظر إليها .
كم هي جميله !
والأجمل ، هو ذلك الإحساس الذي تشيعه في الآخرين . مزيج من الألفة ، والحب ، والأمومه ، والصداقه ، والحنان .
خدر لذيذ تسرب إلى أنحاء جسدي ، وعرفت ذلك الشعور الذي يقال له انعدام الوزن .
هل هي الموسيقى ، أم هي "كارولين" ؟
أم هما معاً ؟
أتمتع الآن بصفاء ذهني لم أعهده من قبل .
خطر لي أنني ، الآن ، أستطيع أن أقوم بِحَلِّ أصعب "مسائل الجبر" التي تستعصي علي في الأحوال العاديه.
رمقتني فوجدتني متلبسا بالنظر إليها .. اضطرَبْتُ .. ابتسَمَت .
جاهدت لأترجم إليها خاطري . اتسعت إبتسامتها وأردفت :
- أهلاً بك مرات أخرى ، أنت ودفاترك .

راقت لي هذه الفكره . وفضحتني أساريري . قالت :
- أنا أعني ما أقول . فمعلوماتي تقول أنك تعودت أن تذهب عند صديقك ، أو يأتيك هو للمذاكرة عندك .. أليس كذلك ؟
- وفي أوقات الإمتحانات ، يبيت أحدنا عند الآخر .

ضحكت وهي تقول ببساطه :
- وفي الأوقات التي يكون فيها "ريك" على سفر، يمكنك أن تبيت في غرفة المكتبة الخاصة به .

ضحكنا في اللحظة التي أعلن فيها الـ "بيك أب" عن إنتهاء الوجه الأول من الأسطوانه. نهضَت بتلقائية ، وسارعت في وضع الأسطوانة على وجهها الآخر بينما هي تقول :
- الوجه الآخر للأسطوانة يحتوي على الحركتين ، الرابعة والخامسه ، فاستمع إليهما بانتباه .
وعادت للقراءة ، بعد أن أضاءت "لمبة" قريبة منها . فلقد بدأت الشمس تميل إلى الغروب .
حاولت العودة للإستماع . لكنني لم أنجح في التركيز . ولم يشد انتباهي شيئا مميزا في الـ "حركتين" الأخيرتين من الـ "كونشيرتو" ، سوى أنها موسيقى جميله .
تمنيت لو لم تنته موسيقى الوجه الأول من الأسطوانة .
كيف يمكنني أن أعيدها إلى الحديث الذي انقطع ؟
أضافت الإضاءة الجانبية إلى وجهها سحراً .. وجاذبية لا تقاوم .
حرصتُ أن لا تضبطني متلبسا باستراق النظر إليها . لكنها فعلت ذلك أكثر من مره . وكانت الإبتسامة التي ترتسم على شفتيها تزداد إتساعا في كل مرة . ثم فاجأتني بسؤالها :
- لماذا تنظر إليّ هكذا ؟

تلعثمت وأنا أحاول عبثا أن أجد رداً مناسبا. رأيت أن أحمِّل لغتي الإنجليزية مسئولية ذلك .
- صحيح أن قدرتي على الحديث باللغة الإنجليزية قد تحسنت قليلا.. و لكن ..
قاطعتني :
- بل كثيرا .. بحيث أصبحت أجد صعوبة وأنا أتصيد لك الأخطاء .
- ربما .. ولكن ، فقط ، عندما نتحدث حديثا عاديا . أعني أنني لا أجد صعوبة في التعبيرعن الخواطر العاديه . لكن ..

أغلقت دفتي الكتاب ، ورفعت حاجبيها ، ومالت برأسها قليلا إلى الخلف متصنعة الجد بشكل مبالغ فيه ، وانتظرت أن أكمل جملتي . لكنني تلعثمت مرة أخرى وضاعت مني الكلمات .
حاولَت أن تساعدني :
- هل تقصد أن ما يدور في رأسك الآن هي خواطر غيرعاديه ؟
- بالنسبة لي أنا . فأنا لم أتعود .. لم أكن .. لم أعرف ...
وضعت الكتاب جانبا ومالت إلى الأمام وهي تؤكد متابعتها :
- أكمل .. أنا مهتمة بحديثك كما ترى !

استغرقت وقتا ليس بالقصير حتى استطعت أن أمسك بطرف الجملة :
- أعني .. أنني .. أقصد .. أنه .. عندما أقول لك أنك جميلة.. فهذه عبارة عاديه. ولكن ...
وفجأة ضاعت مني البقيه ..

نهضت من مكانها ، وجلست إلى جانبي وهي تحاول أن تستنطقني وتشجعني ، كعادتها ، على المضي في الحديث ، وشفتاها مزمومتان على ابتسامة غامضة .
يا إلهي! ما الذي جعلني أبدأ بجملة كهذه ؟ إنني أكاد لا أجد بقيتها بلغتي العربية التي أدعي بأني أُحسن التعبير بها . وكلما طالت مدة البحث عن الكلمات تصبح المهمة أكثر صعوبة ، ويزداد الحرص في البحث والإنتقاء ، خوفا من أن تأتي النتيجة أقل مما أقصد أنا ، أو دون توقعات الطرف المتلقي .
نعم ، كنت أريد أن أقول لها أنها جميله . ولكن ، كما قلت ، بعبارة غيرعادية ، تتناسب مع جمالها الغير عادي ، وإحساسي الغيرعادي أيضا .

وجدت مخرجي بأن نظرت إلى الساعة ، وقررت أنني لا أستطيع البقاء أكثر من ذلك . فقد أمعنت الشمس فى الغروب . ولم أتعود على البقاء خارج المنزل ، بعد ذلك ، بدون إذن مسبق من والديّ . فنهضَتْ متفهمة . وقالت وهي ترافقني إلى المدخل ، والإبتسامة الغامضة لا تفارق شفتيها :
- قلت لك أن "ريك" متغيب في الغد . وهذا يعني أنك تستطيع أن تحضر كتبك ودفاترك ، وأن تبيت ، إن شئت ، في غرفة المكتب . وسوف أتركك مع الموسيقى و"مسائل الجبر" ، ولكن بعد أن تكمل حديثك الذي انقطع . أمامك أربع وعشرون ساعة .. تستطيع خلالها أن تستعين بالقواميس .. وتبحث عن الكلمات ما استطعت .

* * *























الحـــــــــــــــركة الخامسه



مشيت وأنا أدبِّج ردودا على أسئلتها المتوقعة تارة ، أو أفكر في أعذار لغيابي عن البيت لما بعد غروب الشمس تارة أخرى ، أو أدبِّر حيلة تتيح لي الغياب في الغد ، لما بعد شروقها ، تارة ثالثه . تقابلت عند باب الدار مع والدي العائد لتوه من الجامع القريب منها ، حيث يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها . عاتبني بصمته. وعندما سمع أعذاري ، أخذ يتمتم بدعوات الرضى وسداد الخطى . وفعلت ذلك والدتي ، داعية إلى الله ، كعادتها ، أن يجعل لي في كل طريق صديق ، وفي كل خطوة سلام .
وقالت لي إحدى شقيقاتي باقتضاب أن "حسين" قد حضر وسأل عني .

أول ما داهم خاطري هو أن "حسين" ، بعد أن تفقدني ولم يجدني ، قد راقبني ورآني وأنا أغادر بيتها . ولذلك قررت أن أقول له الحقيقة ، التي أخفيتها عنه أثناء لقاءنا اليوم في المدرسه . وهذه خطوة ضرورية لكي أحظى بدعمه لي في الغد . فلا بد أن "يعرف" والدي أنني سوف أقضي ليلة الغد في بيتهم . وعلى كل حال ، مازال في الوقت متسع لتدبر الأمر .
تناولت عشائي بصمت ونهم . ثم جلست إلى طاولتي . أنهيت كل واجباتي المدرسية بسرعة قياسية ، بل وأتبعتها بواجبات الغد . وبعد فترة من التفكير والتأمل ، وجدتني أمسك بالقلم وأكتب :

أردت أن أقول لك ..
أن الله ، سبحانه ، قد جعل من خلقه من هم على قدرته ، دلائل و آيـــــــات .. أو ..
كأني ، وأنا أتأمل وجهك ، إنما أقرأ فيه التسبيح والصلوات ..
أو ..
أن ما كان يجول في خاطري ، وأنا أنظر إليك ، هو نغم إلهي .. أغنية بلا كلمات .. أو ..
وقبل أن أسترسل فيما كنت أتوهم أنه ينتمي إلى الشعر المنثور الذي كنت أميل إليه ، حاولت أن أترجم تلك الكلمات إلى اللغة الإنجليزية ، فلم أقتنع بنتيجة ما بذلت من محاولات .
خطر لي أن ألجأ للأستاذ "سعيد" .. أول من طرح فكرة استعمال اللغة الإنجليزية خارج نطاق المدرسة. لكنني سرعان ما استبعدت هذا الحل .
هل ألجأ لصديقي "حسين" ؟ ربما.. ولكن ..
فجأة تذكرت رأي "حسين" فيها ، والرواية التي ألّفها ونسبها للكاتب الفرنسي "جان لوي مارسو" .. الذي تبين أنه لا وجود له . تلك اللعبة التي كان يتقنها ، وكثيرا ما كان يمارسها مع بعض المدرسين . يستشهد بأقوال وحكم من وحي قراءاته أو من تأليفه ، بعد أن ينسبها لأحد الكتاب الكبار أو لكاتب أجنبي ، يسميه كما اتفق . ولا يجد المدرس أمامه سوى إلتزام الصمت خوفا من انكشاف جهله.
وبالرغم من أنني استبعدت ، وما زلت أستبعد ، هذا الرأي جملة وتفصيلاً ، إلا أنني لم أستطع الهروب من ذلك التساؤل :
ماذا بعد ؟!
وأطلقت لمخيلتي العنان . وتزاحمت وتصارعت الأفكار.
ثم غلبني النوم .






الحــــــــــــــــــركة السادسه






كأن الإبتسامة الغامضة لم تفارق شفتيها منذ الأمس . تناولَتْ دفاتري وألقت بها جانبا .
لأول مرة يشد إنتباهي شيء آخر، غير وجهها و عينيها الشهلاوين . كأني أرى قوامها للمرة الأولى . لاحظَتْ ذلك .
- لماذا تنظر لي هكذا ؟

وكأنما أدركت فجأة أنه السؤال الذي أربكني بالأمس . غطت وجهها بيديها وانحنت في ضحكة قصيرة ، ثم اعتدلت وأكملت :
- لا ، ليس بهذه السرعه. إسترح أولا ! أمامنا متسع من الوقت .

لم أستطع أن أكف عن النظر إليها وهي تتحرك بحيوية ومرح . كانت ترتدي نفس الرداء الذي ظهرت به في اليوم الأول لتعارفنا . وكذلك لم أستطع أن أكتم رغبتي في أن أبوح لها باللقب الذي اخترته لها منذ الوهلة الأولى .. "جينيفر جونز".
تمايلت طربا .. وتأودت في مشيتها بما يتناسب مع الموسيقى الناعمة التي كانت تغمر المكان .
قالت :
- ألا تخشى أن يملأني الغرور ؟
أضفت بصدق :
- "جينيفر جونز" التي أعرفها ليست سوى صوره .. بدون روح .. بلا حراره ..
اقتربت ، وجلست إلى جانبي ، وعادت إلى شفتيها تلك الإبتسامة الغامضة :
- مادمت قد بدأت .. فلنكمل حديث الأمس .

وهيهات أن أتذكر كلمة واحدة مما دونت بالأمس . تصبب العرق من جبيني . اجتاحتني هبّة لافحة من الحر.
ظننت أن السبب هو تلك "الكنزة" الصوفية التي أصرت والدتي أن أرتديها إتقاء لنسمات ليالي أواخر فبراير البارده .
ساعدتني "كارولين" على التخلص منها . لكن موجات أخرى كانت تلفحني كلما اقتربت مني لتستدرجني في الحديث .
نهضت وهي تقول :
- دقيقة واحده .. سأعد لك شرابا مرطبا .

تمنيت أن تطول غيبتها ريثما أستعيد بعض هدوئي ، أو أتدبر إجابة لسؤالها .
ساءلت نفسي عما إذا كانت تريد أن تعرف ما يجول في خاطري بالذات ، أم أنها ، فقط ، تريد أن تسمع مني المزيد من كلمات الإعجاب التي لا تمل النساء سماعها ، حسب ما أعرفه من قراءاتي . ولا أدري لماذا كنت أميل إلى الإفتراض الأول ، بالرغم من العقبات التي تجعل ذلك في عداد المهمات الصعبة . وتمنيت لو كنت "حسين" ، أو "حسن" ، أو الأستاذ "سعيد" .
ثم استبعدت تلك الأمنية ، لأني تخيلت ما يمكن أن يقوله لها كل منهم .
عادت تحمل كأسين يختلف لون محتويات أحدهما عن الآخر. قالت وهي تقدم أحدهما لي :
- "كوكتيل" عصير فواكه مع قطع من الثلج .
ثم رفعت كأسها ، المختلف لون محتوياته ، وهي تقول :
- كأسي فيه خليط من الــ "كوكتيل" و الـ "كامباري" ، المحتوي على نسبة من الكحول . قال لي الطبيب أنه يفتح شرايين القلب . وأجد متعة في شربه أحيانا . ألا تراني سعيده ؟
لا أظنك ترغب في مثل هذا المشروب . أم أنك تحب أن تجربه ؟

كأنما أجفلت لمجرد سماع عرضها ، وإن كنت لم أسمع بذلك الإسم من قبل :
- لا .. لا .. شكراً !
ضحكت وقالت بشيء من الدلال :
- هل تمانع في شربي أنا ؟ سأتوقف عن ذلك إن أردت .
- طبعا لا !
قالت وهي تقرع كأسها بكأسي :
- إذن ، في صحتك .

هأنا ، أخيرا ، أمارس "قرع الكؤوس" كما كنت أراه في الأفلام السينمائيه .
قلت لها ذلك فأغرقت في ضحكة يشوبها بعض المجون ، مما أصابني بما يشبه الصدمه . تذكرت فجأة صديقي "حسين". لكن سرعان ما انتزعتني هي من صديقي وأفكاره الشاذه .
نظرت إلى ساعة يدها ، ثم قالت :
- مارأيك في الموسيقى ؟ هل تريدني أن أستبدل الأسطوانه بواحدة أخرى تختارها أنت ؟

كانت أغنية حالمة تتردد فيها كلمة إسبانية استرعت انتباهي ..
" موتشو .. موتشو .. موتشو" .
أجبتها بسرعة :
- لا .. أبداً ! إنها تروق لي . هل تعرفين معنى كلمة "موتشو" ؟
هزت رأسها ورمقتني بنظرة استنكار فيها شيء من الدلع وهي تجيب :
- "بوي" !
ثم أضافت وهي تمد لي يدها :
- تعال لأريك غرفة المكتبه ، حيث سأتركك مع "مسائل الجبر" للمدة التي تراها كافية . أما الموسيقى فسيصلك صوتها عن طريق السماعة المعلقة على حائط الـ "كوريدور" .

كنا قد دخلنا الغرفة، فأكملت وهي تشير إلى الأريكة التي تحتل جزءا كبيرا منها ، وعليها "بيجامة" مطوية ومنشفه :
- أظنك ستجد كل إحتياجاتك هنا ، ولا ينقصك كما أرى سوى فرشاة الأسنان .
ثم شدتني من يدي ، وأضافت ، بينما أنا منقاد إليها بشيء من الذهول :
- وهذا هو باب الحمام ، وهذا هو مفتاح النور .. هل من أسئلة ؟

استدارت عائدة إلى الصالة ، ثم التفتت نحوي وهي تبتعد قائله :
- لو احتجت إلى أي شيء، فأنا في الصالة .. أقرأ . وعندما تشعر بالجوع ، عليك أن تخبرني بذلك بدون تردد . فلقد أعددت لنا عشاء خفيفا . أما أنا فأعتقد أنني سأشعر بالجوع .. بعد مدة ساعه أو تزيد قليلا .

تأملت قوامها وهي تبتعد بخطوات رشيقة متناسقة تكاد تتوافق مع إيقاع الموسيقى الخفيفة المرحه. شيء ما كان يدفعني إلى إطالة النظر إليها .
لم يعد وجهها أو عيناها هما مركز الجاذبيه بالنسبة لي .
عندما اختفت ، وجدتني أقف بباب غرفة المكتبه ، ومن أمامي غرفة أخرى ، يبدو أنها غرفة النوم ، ظل بابها مواربا بالرغم من محاولتها غلقه وهي في طريقها إلى الصاله .

عندما تركتني في المرة الأولى لتحضير شراب الفواكه ، كنت أرجو أن تطول غيبتها لكي أخلو إلى نفسي ريثما يزول اضطرابي . أما الآن ، فلست أعرف ما الذي أنا فاعله ريثما تشعر هي بالجوع .
هل أعترف لها بأنني لم آت من أجل "مسائل الجبر"، ولا من أجل "كونشيرتو أرانخيز" ؟
أعترف ؟!
وهل هي من السذاجة بحيث تكون قد انطلت عليها حيلتي ، ووقعت في شراكها ؟
أم أنني أنا الذي وقعت في الشرك الذي تحدث عنه صديقي "حسين" ؟
مازلت أتمنى أن يكون هو المخطيء . ولوأنني، أيضا ، أتمنى أن أنعم بالمزيد من قربها .
وماذا بعد؟ هل هناك أقرب مما كنا فيه قبل قليل ؟
أخذت أستعيد وقائع زيارة الأمس ، والزيارات السابقة ، واليوم الأول. ثم عدت بالتسلسل الزمني إلى أن وصلت إلى اللحظة التي فتحت لي فيها الباب ، اليوم . إبتسامتها الغامضه ، وقوامها . وحرارة جسدها التي لفحتني .
شعرت بجفاف في حلقي . تذكرت كوب الشراب . أظنني تركته بدون أن أكمل شربه . لم أتردد في النهوض والتوجه إلى الصاله .
تنحنحتُ . رفعَت عينيها عن الكتاب في تساؤل . أشرت إلى الكوب . وضعت الكتاب جانبا ونهضت قائله :
- انتظر قليلا ! لا بد أن الثلج قد ذاب وأصبح الشراب مخففا . ظننت أنه لم يعجبك . سأحضر لك غيره في الحال .
كنت قد سبقتها في الوصول إلى الكوب . حاولت أن تأخذه من يدي ، فتمسكت به وأنا أبين لها أن الشراب المخفف سوف يؤدي الغرض في إطفاء عطشي . ولا أدري من منا هو الذي كان يسعى إلى إطالة فترة تلامس أيدينا .
لا أظنني كنت أمتلك مثل هذه الجرأه . ولا أدري كم طالت تلك الفتره . لكن الذي أعرفه تماما هو أنني كنت أريد لها أن تطول أكثر .

عادت بالكوب المملوء، وأثلجت صدري بمحاولتها تجاوز ما جرى. كنت أخشى أن تكون قد لاحظت مظاهر التوترالتي انتابتني . قالت بمرح يخلو من الإفتعال :
- نصف ساعة، وأكون قد انتهيت من قراءة الفصل الأخير من الكتاب ، وبعدها أتفرغ لإعداد العشاء . ولن يستغرق ذلك سوى دقائق أخرى . هل بدأت تشعر بالجوع مثلي ؟

أومأت برأسي وشكرتها وعدت إلى غرفة المكتب . شربت الكأس حتى الثماله . وحمدت الله أنها لم تعرأي اهتمام لما كنت أحسب له ألف حساب .
شعرت بحاجة لدخول الحمام . كان لا بد من اللجوء إلى ما يعيد لي بعض هدوئي .
لدى خروجي لمحت صورة وجهي في المرآة . اقتربت منها عندما لاحظتُ شحوبي الزائد . فجأة تذكرت زوجها ، "جريجوري بيك" . تأملـتُني . الشيء الوحيد الذي يميزني عن الأطفال هو ذلك الزغب الكثيف المائل لونه إلى السواد فوق شفتي العليا . ابتسمت ، في سخرية من نفسي .
خرجت من الحمام أكثر واقعية ، وبلا أوهام .
استلقيت على الأريكة ، ورحت فيما هو بين الإغفاءة والإغماءة .

سمعت صوتا يأتيني من بعيد . تمكنت بالكاد من تمييزه :
- يا صديقي العزيز !
لا أستطيع أن أحدد كم مرة تكررالنداء. المهم أنني صحوت من النوم . نهضت ، وأصلحت من شأني ، وخرجت إلى الصالة وأنا أتظاهر بأن شيئا لم يكن . قالت وهي توميء لي بالجلوس إلى المائدة :
- تسللت إلى غرفتك ، فوجدتك مستغرقا في النوم .. هل أنت "أو .. كيه" ؟

صبت لنفسها كأسا ، وسألتني عن رغبتي بتناول كأس من "النبيذ الأحمر". أجفلت ، فأنا أعرف ، هذه المرة ، ما هوالنبيذ . قالت من خلال ضحكتها المميزه :
- لا تجزع ! فأنا أعرف وأحترم التقاليد والأديان ، وما سؤالي إلا من قبيل الإلتزام بآداب المائده ، أو الـ "إيتيكيت". وعلى أي حال فأنا من أنصارأن يجرب الإنسان كل شيء، فيقبل عليه ، أو يمتنع ، عن وعي وباقتناع .

تذكرت الأستاذ "سعيد" ونصائحه وتعاليمه التي كانت تجد في نفسي قبولا في بعض الأحيان . ثم تذكرت قولها بأننا يجب أن لا نخاف من الخطأ لكي نتعلم من أخطائنا . وتمنيت أن تكررعرضها لي . لكنها لم تفعل . ولم أجد في نفسي الجرأة للتراجع بدون إلحاح منها .
لم أخجل من جوعي ، خصوصا وأنها كانت تأكل بشهية واستمتاع . وعندما انتهينا من تناول العشاء، ملأت كأسها مرة أخرى وهي تقول :
- الموسيقى الراقصة تساعد على الهضم . ما رأيك ؟
هل أختارها أنا .. أم أترك لك حرية الاختيار؟

اخترت أغنية لمغن زنجي ، حفظت لحنها وبعض كلماتها لكثرة ما سمعتها في زياراتنا الأولى لها . صرخت فرِحه .
هرعت للركن الذي يقع فيه الـ "بيك أب" والأسطوانات . لم يطل بحثها . انطلقت موسيقى الأغنية .
أقبلت علي وهي تتمايل على إيقاع الموسيقى الهاديء فاتحة ذراعيها ، ثم انحنت أمامي بطريقة مسرحية ، وتمتمت بكلمات لم أفهمها. ثم عرفت أنها تطلب مني، باللغة الفرنسية، أن أراقصها .
ولما رأت اضطرابي وحيرتي قالت ، وقد عادت إلى تمايلها :
- سوف تتعلم الرقص بسرعة . أذنك الموسيقية كفيلة بذلك .

ورأيت نفسي أمام أمر واقع . لا مجال إزاءه للتردد أو التراجع .
أخذت يدي اليمنى ، وأحاطت بها خصرها ووضعت يدها اليسرى على كتفي ، بينما ظلت اليدان الأخريان ، يدها ويدي ، متماسكتان ممدودتان ، وقالت وهي تكاد أن تلتصق بي :
- هذا هو الوضع الصحيح لرقصة الـ "فوكس تروت".

ثم ابتعدت عنى بما يسمح لكلينا أن يرى خطوات الآخر، وأكملت على إيقاع الموسيقى :
- واحد .. واحد إثنين . خطوه .. خطوتين . واحد .. واحد إثنين .

ثم أخذت المسافة بيننا تضمحل بالتدريج . ومدت يدها لتثبت يدي ، المتراخية رهبة وخجلا، حول خصرها :
- هكذا يا صديقي العزيز! هذا من مقتضيات الرقصه . كف عن خجلك !

تيار كهربائي يدغدغ جسدي ، فيسري دم ساخن في عروقي .. وكل أعضائي .
نشوة عارمة تغمرني . وأشعر بالحرج الشديد من ذلك النموالمتزايد الذي يضطرني للإبتعاد عنها خشية أن تشعر به ، فأفسد تلك اللحظات التي لم أحظ بمثلها حتى في أحلامي التي كانت تثيرها قراءاتي ، أو ثرثرات الأصدقاء، أو مشاهداتي في الأفلام السينمائيه ، أو ربما تجاربي المخطوفه المرتعده مع قريباتي أو جاراتي ممن يصغرنني أو من هن في مثل سني ، أو أكبر بقليل .
تميل بي إلى اليمين فأميل معها . تقودني إلى اليسار فأنقاد إليها . وتفكيري يتركز في تجنب الإحتكاك بها ، وفي متابعة الأغنية مستعجلا نهايتها . وقبل أن يتلفظ المغني الزنجي ذو الصوت الرخيم بكلماته الأخيرة ، أكون قد تركت خصرها ويدها ، وأخذت بالتصفيق ، حسب ما تمليه مشاهداتي في الأفلام السينمائيه . ثم أسارع بالجلوس لكي لا تكتشف ما جاهدت لإخفاءه ، فيصيبني ما أصاب صديقي الوقح "حسين" .
صفقت هي الأخرى ، وأثنت على سرعة تعلمي لرقصة الـ "فوكس تروت" قائلة ليت وقتها يسمح بأن تدربني على بقية الرقصات في مرات قادمة . في كل مرة رقصه أخرى . وهذا ، كما تقول ، من متطلبات الحياة العصرية الجديدة التي سوف أخوضها في المستقبل القريب ، عندما أسافر إلى أمريكا لدراسة الإخراج السينمائي .
- أليست هذه أحلامك للمستقبل ؟ ألم تقل لي أنك تنوي دراسة السينما ؟

رشفت من كأسها بتلذذ وأعادته إلى مكانه ، ثم أضافت وهي تمسك بذراع الـ "بيك أب"، وتعيد وضع إبرته على بداية الأسطوانه :
- .. ثم إن المخرج السينمائي لا بد وأن يكون ملمًّا بمختلف مظاهر الحياه . والأهم من هذا وذاك .. أن لا يكون خجولا !

قالتها بشيء من العتاب أو التأنيب ، وهي تشدني من مكاني وتحملني على مواصلة الرقص، وتضطر لأن تقوم بنفسها بتثبيت ذراعي اليمنى ليحتوي طراوة خصرها ودفئه .
إذن ، فقد كانت كل مخاوفي وهما . فهي لم تشعر بالتغيرات التي اعترتني في الجولة الأولى .
وضعت ذراعها ، هذه المرة ، على كتفي . وأخذت تدندن بلحن المقدمة الموسيقية وهي تقودني بخطوات ضيقة بحيث لم أستطع تجنب ملامسة ساقي لساقها .
وعندما بدأ المغني الزنجي ذو الصوت الرخيم في الغناء ، أخذت تهمس معه بكلمات الأغنيه :
- .. الشمس مشرقه .. يا له من يوم سعيد .. ويا لله ما أسعدني !

واستمرت بالهمس بكلمات أخرى مرتجلة ، مع الإلتزام بلحن الأغنيه :
- عليك أنت أن تقودني .. فهذه هي قواعد الرقصه .. المرأة تنقاد للرجل .. أليس كذلك ؟ وهأنا سأترك لك نفسي من الآن ..

ثم فطنت فجأة لشيء هام . خلعت حذاءها ، لنصبح بنفس الطول تقريبا . أسندت ذقنها على كتفي، واستمرت بالهمس ببقية كلمات الأغنيه :
_ .. The Moon is shining .. O happy Night .. O, O lucky me

أما أنا فقد كنت أناضل في عدة جبهات . أتابع إيقاع الموسيقى ، وأحرص على ضبط الخطوات ، وأتحاشى أن تصطدم ساقانا ، أو أن أتعثر بقدميها ، وأتوخى حفظ مسافة معينة بيننا .
لكن هيهات !
يدي تمسك بيد "جينيفر جونز" ، تلك الغادة الفاتنة التي اقتتل من أجلها الشقيقان "جريجوري بيك" و "جوزيف كوتون" حتى الموت ، في فيلم "صراع تحت الشمس" .
وذراعي يحيط بخصرها اللين المتأود ، تلك التي جسدت شخصية "إيمّا"، والتي أذعن لسحرها سادة القوم في فيلم "مدام بوفاري" ، رائعة "جوستاف فلوبير" .
وصدرها الجريء يزيد قربه مني في سرعة ضربات قلبي واضطرابي، وشعرها يداعب وجهي ، وأريجه يملأ خياشيمي . فأتمنى أن تقف الأمور عند هذا الحد ، لأنفرد بنفسي فأحاول أن أستوعب ما يحدث .
كنت أشعرأن التجربة أكبر مني ، وأن ما يجري أكثر حتى من قدرة مخيلتي بمراحل .

والحق أنني لم أتذكر صديقي "حسين" ، لأنني لم أشعر بأي افتعال لما حدث . كل شيء كان يتطور بشكل طبيعي وتلقائي . وكانت ، بعد كل رقصة ، تسألني إن كنت أفضل أن أخلد للراحة أو النوم . فأنفي ذلك وأكتفي بالجلوس وتجفيف عرقي والتقاط أنفاسي . تأخذ خلالها رشفات من كأسها أو تملأه بدون أن تحاول إستدراجي لمشاركتها في ذلك . ثم تعبث في مجموعة الأسطوانات ، ونواصل الرقص من جديد .
تبدأ بالتعريف باسم المغني أو المغنيه أو المؤلف الموسيقي . وأشاركها الحديث بأن أسال عما يستعصي علي فهمه ، فتفسر لي الكلمات أو الجمل بدون كلل ، أو تبادر بترجمة ما تختاره من الأغاني الفرنسية .
ثم تموت على شفتينا الكلمات .
ويلفحني صهد حرارتها ، ويعود جسدي للإحساس باستدارة فخذيها ، أو تكوّر نهديها .
وأسترق النظر إلى تلك المساحة من العري المتاح للصدر، ولا أستطيع أن ألجم نظراتي المتسللة في انحدار إلا بشق الأنفس . ثم أعود لمحاولاتي اليائسة لتجنب ما قد يثير انزعاجها ، كما كنت أتخيل . وما أن تنتهي الأغنية أوالقطعة الموسيقية حتى ألقي بنفسي على الكنبة ، وأنا أدارى إنتصابي ، مبالغا بالتظاهر بالتعب والإجهاد .

* * *
كانت لي "مغامرات" يحسدني عليها أصدقائي ، وتجعلني في نظرهم "دون جوان" يشار إليه بالبنان . لكنها لم تكن تتجاوز النظرات ، أو الإبتسامات المتبادلة ، أو لمسة يد ، أو قبلة مخطوفة .
وأكثر مغامراتي "فجوراً" كانت مع تلك الصبيه "الفايره" ، التي عوضها الله عن وجهها المائل إلى القبح ، بجسد يحسدها عليه كل من رآها من فتيات أو نساء منطقة "الرمال" بكاملها .
كانت تكبرني بسنتين أو ثلاثة ، وكانت تدرك أنها تمتلك تلك "المواهب"، ولا تترك فرصة تفوت دون أن تتعمد إبرازها ، والتباهي بها ، أمامي (!)
ظلت تتحرش بي منذ أن استقر بنا المقام في "غزة" ، بدون أن تجد استجابة مني ، إلى أن كان ذلك الشتاء ، فلم أستطع منها فكاكا . وقد كانت أول من دربني على المشاركة في اختطاف اللذات .. غير المكتملة .

كان والدها يعمل "عتالاً" في متجر الحبوب الذي يمتلكه أحد أقربائي في يافا . وكانت وحيدة أباها الأرمل . وبعد الهجرة إلى "غزة" ، لم يجد بديلا عن ترك الصبية في بيت قريبي ليسافر باحثا عن الرزق . وبعد عامين أرسل والدها ما يفيد بأنه قد "كتب كتابها" على صديق له عائد إلى "غزة" ليستقر فيها .
زفت لي الخبر وهي تكاد تفقد صوابها من الفرحه . وأخذت تعدني بأنها ، بعد ذلك ، سوف تمتعني بعلاقة كاملة . كانت ، في الشهورالأخيرة ، تقول لي ، بالحرف الواحد ، أن "السكة" سوف تكون مفتوحة، وعندها سوف يتمكن الـ "ترين" ، حسب تعبيرها السوقي الذي كنت أنفر منه ، من دخول المحطه (!)
لكن زوجها قرر أن يعمل في الخليج . فلم يبق لي ، بعد سفرها المفاجيء معه ، سوى أحلام المنام .. واليقظة .. وأطياف الخيال .

* * *
أما أن أراقص "جينيفر جونز" ، في خلوة امتدت حتى قارب الليل على الإنتصاف ، فهذا ما لم يكن ليتسع له خيالي .
لكنها الحقيقة التي ما برحت أراها بعيني ، و ألمسها بيدي ، وأسمعها بأذني ، وأستشعرها بجسدي .

هناك ، من بين أحلام منامي ، حلم كثيرا ما كان يتكرر بنفس تفاصيله . كنت أراني فيه أتنقل من مكان إلى آخر طائرا ، أحلق في الهواء مثل الطيور .
أطير صعودا في الأعالي أو أغوص هابطا في الفضاء . ثم أراني وقد صحوت من نومي ، ولا أكاد أتبين ذلك حتى أعود لأواصل الطيران كأنما لأثبت لنفسي أن قدرتي على الطيران حقيقة ، وليست مجرد أضغاث أحلام .
حلم في داخل حلم .
وكأني ، في تلك الليلة ، مازلت أواصل شيئا من هذا القبيل . أصحو من حلمي الراقص ، ثم أعود للرقص لأثبت لنفسي أن "جينيفر جونز" حقيقة شاخصة أمامي ، وأستطيع احتضانها و مراقصتها مرة إثر الأخرى .

اعترى جسدي خدر لذيذ ، بينما كانت تدور في رأسي فكرة الإكتفاء بهذا القدر و الإستسلام للنوم ، على أن أواصل الحلم في يوم آخر ، ربما في الغد .
ثم فوجئت بموسيقى "كونشيرتو أرانخيز" تتسلل إلى مسامعي ، وصوتها يقترب :
- .. والآن .. وقبل أن أتركك مع هذه الموسيقى الهادئة ..

اقتربت تحمل كأسي مجددا ، وجلست إلى جانبي وأكملت ، وقد عادت إلى شفتيها ابتسامتها الغامضة :
- .. أحب أن أستمع إليك في الحديث الذي انقطع بالأمس .. أم أنك قد نسيت ؟

ولأول مرة أرى أن في وجهها ما يخطف البصرغير العينين . شفتـــــــــــاها .
حكيت لها ، على أنغام "رودريجو" ، قصة حلمي الطائر الذي أثبتت في أحلامي أنه حقيقه . وأشرت إلى الحلم الآخر، الذي ما زال يفتقر إلى إثبات حقيقته .
اتسعت إبتسامتها . شربت ما تبقى في كأسها وشردت بأفكارها برهة ثم نهضت .
وبدون مقدمات ، تمنت لي ، بثغر يفتر عن "إبتسامة ما" ، نوما هادئا ، واختفت في غرفة النوم .

لا أدري كم من الوقت قد مضى وأنا أحاول التخلص من رعشة البرد التي أصابتني منذ أن استبدلت ملابسي لأخلد إلى النوم . لكن الموسيقى الناعمة كانت تؤكد أنه لم يمض الكثير .
عبثا حاولت أن أجد ما أتدثر به . لقد تذكرَتْ كل شيء .. ما عدا الغطاء . وعبثا حاولتُ الإستغناء عنه.

وقفت بباب غرفة المكتب أفكر فيما عساي أن أفعل . كان باب غرفة النوم مواربا ، ونور خافت يتسلل منها ، وهو الشيء الذي ربما ينم عن إحتمال عدم استغراقها في النوم .
طرقت الباب طرقا خفيفاً . لم أسمع رد اً . طرقته مرة أخرى . انتظرت قليلا ثم دفعته بحرص .
فوجئت بها تنظر لي متسائله . وتراءت لي تلك الـ "ابتسامة ما" التي ارتسمت على كل وجهها .
خيم الصمت برهة .
كنت أرتعش من البرد . اتسعت ابتسامتها بشكل ملحوظ .
كان شكلي بمنامة "جريجوري بيك" الفضفاضة ، التي تتسع لشخصين آخرين من مثلي ، مما يثيرالضحك فعلا .
ازداد إحساسي بالبرد واشتدت إرتعاشة بدني . فتحت فمي لإتكلم فاصطكت أسناني . كدت من شدة إرتباكي أن أقفل عائدا . لكنني فوجئت بخلجاتها تتغير :
- تعال يا طفلي المسكين !

قالت هذا وهي ترفع الغطاء عنها بملء ذراعها .
كانت عارية .
كررت دعوتها مرة وثانية وثالثة ، وأنا اقف مذهولا ، لا أدري ماذا أنا فاعل . كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها ، عن قرب ، جسد إمرأة كاملة العري في سريرها . وأي إمراه !
- لماذا تقف هكذا .. هيا اقترب ؟!

اقتربت متردداً مرتعدا . تحركت ومدت يدها الأخرى وجذبتني إليها بلهفة ، ثم احتوتني بالغطاء . ومازالت تدلك جسمي بيديها برفق حتى بدأ الدفء يغمر أنحائي . جست جبيني و جفني و وجنتي و رقبتي بشفتيها . ندت عنها تنهيدة راحة قبل أن تقول وهي تحتضنني :
- الحمد لله ! ظننت أن مكروها أصابك .

ثم أبعدت وجهها عني ، وأخذت تتأملني . عادت إليها بالتدريج ابتسامتها الغامضة .
ابتدأت الحرارة تتسرب منها إلى جسدي المتلهف إلى الدفء . وأي دفء .
أرهفَت السمع برهة ، ثم رمقـتني متسائلة :
- هل تسمع شيئا ؟
قلت بعد أن أرهفت سمعي فترة أطول :
- لا ..
قالت بابتسامة ذات معنى :
- وأنا أيضا .. لا أسمع شيئا !
ثم أضافت مداعبة :
- ألم نتفق أن الحركتين الرابعة والخامسة لا تقلان روعة عن الحركات الثلاث الأولى ؟

مرت لحظات ، وأنا أحاول أن أستوعب ما قالته . أضافت برقة شديدة وهي تشير بإصبعها إلى خارج الغرفه :
- السيد "رودريجو" .. يتساءل من سيقلب الأسطوانة على وجهها الآخر؟

قبل أن تكمل نطقها للإسم ، كنت قد أدركت ما تعنيه . لكنني لم أشأ أن أتحرك قبل أن تكمل جملتها . كنت أرى منها شفتيها فقط .
لم أكن أعرف كم يمكن أن تكون الشفاه .. شهيه .
شدت الغطاء عنى ، وهي ترنو إلي برجاء .
كأنما كنت أخشى إن عدت إليها أن لا يكون هناك ما يبرر وجودي في سريرها بعد أن ذهبت عني قشعريرة البرد ، واختفت مظاهر المرض التي دفعتها لتمنحني تلك العناية الفائقه .
حاولت أن أقرأ في وجهها ما يؤكد لي عكس ذلك ، أو ما يضمن لي عودتي .
انتظرت أن تنطق بكلمة تبدد مخاوفي . فاجأتني بسؤالها المعهود :
- لماذا تنظر لي هكذا ؟
قلت وأنا اقفز من مكاني :
- سأقول لك .

لم أستغرق وقتا يذكر حتى انسابت الموسيقى . وقطعت مسافة العودة في قفزات معدوده .
وجدتها تحكم حول نفسها الغطاء ، وتهز رأسها هزات خفيفة ذات اليمين وذات اليسار بما يعني انها تمتنع . لكن ابتسامتها الخفيفة ، وهي ترمقني من أعلى إلى أسفل وبالعكس ، جعلتني أفهم أنها تضع شروطا لعودتي . وقفت حائرا مترددا ، محاولا أن أفك رموز الرسالة التي وصلتني .
حاولت أن تبدد حيرتي بأن قالت بشيء من الدلال :
- أظن أنه ليس من العدل ...

وجدتني أقف أكثر حيرة وترددا .
كدت أسمعها تصرخ بي أن أكف عن خجلي . لكنها لم تفعل . كانت نظراتها لي تنطق بذلك .
لا بد إذن مما ليس منه بد . خلعت الجزء الأعلى من المنامة. توقفت قليلا كأنما كنت أتوقع أن تكتفي بذلك .
ثم تخلصت من قميصي الداخلي بسرعة ، ووقفت أمامها برهة عاري الصدر . لكنها كانت تصرعلى موقفها .
درت حول السرير لأتجنب نظراتها ، فأغرقت في الضحك .
خلعت سراويل المنامة بسرعة وقفزت إلى السرير. كفت عن الضحك . احتوتني تحت الغطاء . كنت ألهث . احتضنت وجهي بكفيها برفق :
- إلتقط أنفاسك أولاً .. ثم أجبني عن سؤالي ‍! أم أنك قد نسيت ؟

كادت خصلة من شعرها الأسود أن تغطي إحدى عينيها الشهلاوين . مددت يدي لأعيدها إلى مكانها . حركت كتفها ، الذي انحسرعنه الغطاء ، وضغطت به على يدي لتستبقيها في مكانها .
استجمعت أفكاري وأنا أتأمل وجهها ، وسرعان ما أخذت الكلمات تتدحرج وتتعثر .
- في البداية.. كنت أراك ككل . أعني .. أنني لم أكن أرى التفاصيل ..

هزت رأسها وهي ترهف السمع . ودار لسانها يبلل شفتيها .
وجدت البقيه :
- شفتاك .. مثلا ...

هزت رأسها مرات أخرى وهي تبتسم مشجعة ، كأنما كانت تخشى أن تضيع مني ، كعادتي ، الكلمات .
- لم أكن أعرف أن الشفاه .. ممكن .. أن تكون ...

وتعصاني الكلمة الإنجليزيه ، مع أنها من المفردات التي كنت أعرفها. ولكن سرعان ما بدر منها ما ذكرني بعجز بيت الشعرالغزلي الذي يقول .. "وعضت على العنّاب بالبرد" . ولم أتردد باستبدال العناب بالكرز، لجهلي بمعنى كلمة "العناب" باللغة الإنجليزية ، وأكملت :
- في لغتنا العربية ، يتغزل شعراؤنا بشفاه المرأة ويشبهونها بالكرز، تلك الفاكهة الـ ... لا أعني الـ "حلوه" .. هناك كلمة أخرى… تعني أنها تغري على التذوق …
- لذيذه ؟
- تقريبا .. ولكن هناك كلمة أخرى .. أعني قبل أن يكتشف المرء أنها لذيذه .. إنها الصفة التي توحي بأنها لذيذة …
- شهيه ؟
- نعم ، شهيه .. هذا ما أقصده !
- وبعد ؟
- هذا ما كنت أريد أن أقوله .
- مالذي كنت تريد أن تقوله ؟
- ما قلته لك .
- قله مرة أخرى !
ترددت قليلا .. مازالت شفتاها الرطبتان ترسلان نداءهما .. استجمعت شجاعتي وقلت :
- شفتاك شهيتان .
أخذت تتأمل وجهي وكفاها ما زالا يحتضنانه . مرت بإبهامها على شفتيّ . أصابتني قشعريرة لذيذه . أغمضت عينيّ .
أحسست بأنفاسها تلهب وجهي ، ثم بشفتيها وهما تغمران جفنيّ بالقبلات . ضربات قلبي تتزايد سرعتها . كدت أغيب عن الوعي . سمعت همسات ، كأنها تأتيني من بعد . لم أستطع أن أدرك ما تعنيه .
- ماذا ؟
همست مرة أخرى . كررتُ سؤالي :
- ماذا ؟

أبعدت وجهها عني شيئا . فتحت عينيّ . أعادت :
- أسألك .. هل قبَّلتَ أو قبلتْكَ إحداهن ؟
- أظنني فعلت .. بعض المرات .
- قبلة حقيقيه ؟
- طبعا ! وهل هناك قبلة حقيقية وأخرى غير حقيقيه ؟

أغلقت عينيها وهي تقول ، بينما انزلق أحد كفيها ليستقر على ظهري :
- إذن ، قبلني !
قبلت شفتيها عدة مرات . ثم قلت :
- لكن لشفتيك طعم آخر .

كدت أرى الرثاء يرتسم على وجهها . ثم ابتسمتْ وقالت بما يشبه العتاب :
- ما هكذا يقبل الرجل امرأة تحبه ، وهي عارية في أحضانه .

كانت كلماتها مبطنة بشيء من السخريه . قررت أن أدافع عن رجولتي . لم أنجح في احتضانها بذراعيّ إلا بعد أن رأت أنه لا بد من مساعدتي .
وضعت شفتي على شفتيها .
وغبت في قبلة طويلة، تماما مثل قبلات الروايات التي كنت أقرأها لإحسان عبد القدوس أو محمود تيمور، أو ترجمات "إميل زولا" أو "جوستاف فلوبير". أو مثل قبلات الأفلام السينمائيه التي كنت قد شاهدتها .
الحق أقول ، أنني لم أشعر بما يميزها عن المحاولة الأولى .
وكأنما قد أشفقَتْ علي من ذلك الإمتحان الصعب . أو كأنها خشيت أن أشعرأنها اكتشفت جهلي الذي حاولت أن أداريه.
بدأت يدها تعبث بشعري بحنان ، والأخرى تنزلق فوق ظهري نزولا وصعوداَ .
انفرجت شفتاها، ثم أطبقـتا برفق على شفتي السفلى . فأحسست بمتعة في الإطباق بشفتيّ على شفتها العليا .
بدأت النشوة تتسرب إلى أنحاء جسدي من جديد ، خصوصا عندما بدأت شفتاها تعبثان بشفتيّ . ثم زاد إحساسي بالمتعة وأنا أشاركها ما تفعل .

شعرت بطرف لسانها يلمس شفتي، يداعبها . أصابتني قشعريرة أمتع وألذ من تلك التي شعرت بها عندما مرت بإبهامها على شفتيّ قبل لحظات . وعادت أنفاسها تلفح وجهي . وأخذت أصابعها تدلك ظهري ، بينما أصابع اليد الأخرى تتخلل شعر مؤخرة رأسي . ندت عني تنهيدة طويله ، كأنما خارت قواي، فضمتني بقوة . تمنيت أن أحظى بثوان ألتقط فيها أنفاسي .
كأنما أحست بي . ابتعدت برفق . أخذت ترمقني بنظرات حانيه . قلت بصدق :
- هذه هي قبلتي الأولى .
- سعيد ؟
- .. لا توصف .
- ذكرتني بقبلتي الأولى . كنت في مثل عمرك أو أقل .
- وهو؟
ابتسمت وقالت :
- لا، كان يكبرني بثلاث سنوات فقط .
قلت متسائلا ببراءه :
- "ريك" ؟

أجابت بما يشبه الهمس ، بينما كانت عيناها تبحثان عن شيء في فضاء الغرفة ونورها الخافت :
- كان صديقا لـِ "ريك". ومات . و"ريك "، الصديق الوفي، يحاول أن يجد لي عزاء بدعوتي إلى الأماكن التي يتنقل بينها بحكم عمله ..
ثم ، كمن يطوي صفحة بدون أن يكمل قراءتها ، ويواصل القراءة في فصل آخر، قالت ساءلة :
- .. لم تقل لي رأيك في القبلة الأولى .. كيف كانت ؟

ابتسمت وأنا أتذكر الأستاذ "عابدين" مدرس اللغة العربية الذي أخذ يلف ويدور حول الإجابة على سؤالي الذي وجهته له أثناء الحصة ، وهوعن معنى كلمة "الرُّضاب" ووصفه بالعذوبة ، ووصف الشعراء للحبيب بأنه "عذب اللمى". ها قد اكتشفت ذلك بنفسي ، وذقت حلاوة شهد الرضاب ، وعرفت ، عن تجربةٍ ، معنى أن تكون الشفاه .. شهيه.
لست على يقين إن كنت قد وفقت في ترجمة خواطري لها.
لكن الذي أذكره جيدا ، أنني لم أتردد في التعبيرعن رغبتي في مواصلة التجربة والإكتشاف .
فوجئت ، في الجولة الثانية ، بلسانها يتسلل إلى ما بين شفتي . لم أستجب لذلك بسرعة. بل إنني شعرت ببعض النفور . لم أسمع أو أقرأ من قبل عن دور اللسان في القبلات .
تراجعَتْ. وبعد ذلك كرَّرَت المحاولة بحذر وبالتدريج ، مما جعلني أجرب ما تفعله إلى أن أدركت ما يجري أثناء القبل السينمائية الطويلة . لكن يبدو أنني لم أتمكن من إتقان اللعبه . وسرعان ما اتفقنا، تلقائيا ، على نسيانها .

وعدت أرتشف ، بنهم وبدون توقف ، عساي أن أرتوي من عذوبة شهد الرضاب .
ثم عرفت يداي طريقهما لإكتشاف معالم جسدها اللميس .
وأخذت أناملي تتلمس طريقها ، كأنها تلملم اللذات المبعثرة على أديمه.
وعرفت هي كيف تجعلني أتنقل بشفتي على أنحاء وجهها ، وجيدها ، وكتفها .. و
........................................................................................................................................................................................................................... .
هكذا تعلمت من بعض من كنت أقرأ لهم ، في ذلك الوقت ، أن أترك سطوراً لا تحتوي على أكثر من نقط .
فأنت ، إن لم تكن قادراً على مواصلة السرد والوصف ، أو إن شئت الإحتفاظ بتلك التفاصيل أو كتمانها ، فما عليك إلا أن تترك ذلك للمخيلة وفنونها .

* * *

في الصباح الباكر، أفقت من نومي فلم أجدها إلى جانبي .
إكتشفت أنني أرقد تحت الغطاء ، عاريا ، بالرغم من يقيني بأني قد احتفظت بآخر قطعة من ملابسي الداخليه .
لن أفكر بالتفاصيل الآن . سوف أعود لاستذكار تلك التفاصيل آجلاً ، و سوف يكون أمامي من الوقت ما يكفي لذلك . المهم أن الوقت هو وقت صحوي للذهاب إلى المدرسه .
سمعت صوت تنقلاتها خارج الغرفه . وقبل أن أنتهي إلى قراري بتجميع قطع ملابسي من هنا وهناك ، بعد أن تمكنت من تحديد أماكنها ، كانت سيدتي الجميلة تدخل الغرفة وهي تدفع أمامها عربة عليها ما أعرفه وما لا أعرفه من الطيبات .
........................................................................................................................ .

* * *

كان "حسين" في انتظاري عند أول منعطف للطريق . فمه ينفرج عن السن الأماميه المفقوده ، وهو يسأل بإلحاح عن سبب تأخري .
لم يتمالك نفسه من إتهامي بـ "الفشر"، وأنا لم أبدأ بعد برواية ما يستدعي ، بحق ، الإتهام بهذه التهمه . تظاهرت بالغضب ، وقاطعته طوال اليوم . لكنه في النهاية لم يحتمل مقاطعتي له . قبلت اعتذاره بشرط أن يأتيني في المساء ليدعوني لاستكمال المذاكرة سويا في بيتهم لليلة الثانيه (!)
قبل هو شروطي بعد أن وعدته بأن أقص عليه ما جرى في الزيارتين الأخيرتين للسيدة الجميله ، حسب طلبه ، بالتفصيل المفصل .

ليس هناك أي أهمية لما جرى أو ما دار من الحديث بيني وبين "حسين" منذ أن وصلنا إلى دارنا حتى مغادرتنا لها سويا ، قبيل الغروب .
كنت ، فقط ، أشعر بشيء من تأنيب الضمير لإرتكابي الكذب . أما ارتكابي للمعصية الأخرى ، فقد كنت أردد بيني وبين نفسي أن ألله أراد أن يكافئني على إلتزامي ، قبل ذلك ، بكل ما يرضي الوالدين !
عند مفترق طريقنا اليومي ، انتظرت حتى اختفى "حسين" في المنعطف المؤدي إلى دارهم .

وعندما شارفت على الوصول ، كانت الشمس قد مالت إلى الغروب . وأول ما جذب انتباهي هو الظلام الذي يكتنف البيت . فقد سبق أن لاحظت أنها تضيء الأنوار بمجرد جنوح الشمس للمغيب .
لا بأس ، فكثيرا ما كنا نتعرض لانقطاع التيار الكهربائي في تلك المنطقه ، لبعض الوقت .
تراءى لي ، عن بعد، شخص يجلس على الدرجات المؤدية إلى المدخل . وعندما وصلت إلى مدخل الحديقة ، نهض الرجل واقترب مني على عجل . و بادرني ، البستاني ، وهو يناولني مظروفا :
- مساء النور يا ولدي . هل هذه الرسالة لك ؟

استطعت أن أتبين ، على بقايا نور الشفق ، إسمي مكتوبا باللغة الإنجليزية . لم أكد أجيبه بالإيجاب حتى تركني وهو يستمهلني راجيا أن أنتظره .
عاد الرجل وفي يده شيء سرعان ما عرفته . أسطوانة "كونشيرتو أرانخيز" .
أضاف ببساطة أن "الضابط" حضر مستعجلا ، وأن السيدة قد سافرت معه .. وتركت لي هذا الغرض .
في دار صديقي "حسين" ، قرأت ما يلي :
" أتمنى لك أن تحقق كل أحلامك . وداعا ! "
كارولين

May all your Dreams come true . Adieus!
Caroline
Gaza , 24.2.1951

* * *